الآلوسي

21

تفسير الآلوسي

وغيظ من شمتهم من كفار مكة وكون ذلك مما يتفاءل به لغلبة المؤمنين على الكفار ، وقيل : نصر الله تعالى صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس ، وقيل : نصره عز وجل أنه ولي بعض الظالمين بعضاً وفرق بين كلمتهم حتى تناقضوا وتحاربوا وقلل كل منهما شوكة الآخر ، وعن أبي سعيد الخدري أنه وافق ذلك يوم بدر ، وفيه من نصر الله تعالى العزيز للمؤمنين وفرحهم بذلك ما لا يخفى ، والأول أنسب لقوله تعالى : * ( يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ) * أي من يشاء أن ينصره من عباده على عدوه ويغلبه عليه فإنه استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى : * ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) * والظاهر أن * ( يوم ) * متعلق بيفرح وكذا * ( بنصر ) * وجوز تعلق * ( يوم ) * به ، وكذا جوز تعلق * ( بنصر ) * بالمؤمنين ، وقيل : * ( يومئذ ) * عطف على قبل أو بعد كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال ثم ابتدأ الأخبار بفرح المؤمنين * ( وَهُوَ الْعَزيزُ ) * المبالغ في العزة والغلبة فلا يعجزه من شاء أن ينصر عليه كائناً من كان * ( الرَّحيمُ ) * المبالغ في الرحمة فينصر من يشاء أن ينصره أي فريق كان ، والمراد بالرحمة هنا هي الدنيوية ، أما على القراءة المشهورة فظاهر لأن كلا الفريقين لا يستحق الرحمة الأخروية ، وأما على القراءة الأخيرة فلأن المسلمين وإن كانوا مستحقين لها لكن المراد ههنا نصرهم الذي هو من آثار الرحمة الدنيوية ، وتقديم وصف * ( العزيز ) * لتقدمه في الاعتبار . * ( وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) * . * ( وَعْدَ الله ) * مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة من قوله تعالى : * ( سيغلبون ) * وقوله سبحانه : * ( يفرح المؤمنون ) * ويقال له المؤكد لنفسه لأن ذلك في معنى الوعد وعامله محذوف وجوباً كأنه قيل : وعد الله تعالى ذلك وعداً * ( لاَ يُخْلفُ اللَّهُ وَعدَهُ ) * أي وعد كان مما يتعلق بالدنيا والآخرة لما في خلفه من النقص المستحيل عليه عز وجل ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار للتعليل الحكمي وتفخيمه ، والجملة استئناف مقرر لمعنى المصدر ، وجوزأن يكون حالاً منه فيكون كالمصدر الموصوف كأنه سبحانه يقول : وعد الله تعالى وعداً غير مخلف * ( وَلَاكنَّ أَكْثَرَ النَّاس لاَ يَعْلَمُونَ ) * أنه تعالى لا يخلف وعده لجهلهم بشؤونه عز وجل وعدم تفكرهم فيما يجب له جل شأنه وما يستحيل عليه سبحانه أو لا يعلمون ما سبق من شؤونه جل وعلا ، وقيل : لا يعلمون شيئاً أو ليسوا من أولي العلم حتى يعلموا ذلك . * ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَْخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) * . * ( يَعْلَمُونَ ظَاهراً مِنَ الحَيَاة الدُّنْيَا ) * وهو ما يحسون به من زخارفها وملاذها وسائر أحوالها الموافقة لشهواتهم الملائمة لأهوائهم المستدعية لانهماكهم فيها وعكوفهم عليها . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعلمون منافعها ومضارها ومتى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يجمعون وكيف يبنون أي ونحو ذلك مما لا يكون لهم منه أثر في الآخرة ، وروى نحوه عن قتادة . وعكرمة . وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية : بلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن يصلي ، وقال الكرماني : كل ما يعلم بأوائل الروية فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن وقيل : هو هنا التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها ، وتعقب بأنهما ليسا مما علموه منها بل من أفعالهم المرتبة على علمهم ، وعن ابن جبير أن الظاهر هو ما علموه من قبل الكهنة مما تسترقه الشياطين ، وليس بشيء كما لا يخفى ، وأياً ما كان فالظاهر أن المراد بالظاهر مقابل الباطن ، وتنوينه للتحقير والتخسيس أي يعلمون ظاهراً حقيراً خسيساً ، وقيل : هو بمعنى الزائل الذاهب كما في قول الهذلي :